هذا الموقع يتطلب تشغيل JavaScript للعمل بشكل صحيح. رجاءً قم بتمكين JavaScript في المتصفح.
مقالات

شهداء لا يعرفون أسماء من أنقذوهم

img_preview
كتب : د.نزار السيسي الثلاثاء، ٣٠ يونيو ٢٠٢٦ في ١٦:٥٩
مشاركة :
whatsapp facebook twitter

هناك مهن يختارها الإنسان بحثًا عن الرزق، وهناك مهن يختارها لأنه يؤمن برسالة. لكن هناك رجالًا لا يملكون رفاهية الاختيار في لحظة الخطر؛ فعندما يصرخ الناس طلبًا للنجاة، يصبح واجبهم أن يركضوا في الاتجاه المعاكس.

كلما اندلع حريق، أو انهار عقار، أو انفجرت أسطوانة غاز، يبدأ المشهد بالطريقة نفسها. وجوه مذعورة، وأصوات استغاثة، وأقدام تفر من الموت. وفي قلب هذا المشهد، تظهر سيارة الحماية المدنية، ويترجل منها رجال يعرفون أن الدقائق القادمة قد تكون آخر ما يكتب في أعمارهم، ومع ذلك لا يترددون.

قد يظن البعض أن البطولة هي مشهد عابر في فيلم، أو لقطة يتداولها الناس على مواقع التواصل الاجتماعي. لكن البطولة الحقيقية أكثر هدوءًا، وأكثر قسوة. إنها رجل يرتدي خوذته، ويشد حزام معداته، ثم يدخل إلى مبنى يوشك على الانهيار، وهو يعلم أن احتمالات العودة أقل من احتمالات الخطر. يدخل لأنه لا يعرف من ينتظره في الداخل، لكنه يعرف أن ضميره لن يغفر له إذا تأخر.

شهداء الحماية المدنية الذين ارتقوا اليوم لم يكونوا يبحثون عن مجد شخصي، ولا عن تكريم، ولا عن صورة في صدر صحيفة. كانوا يؤدون عملهم كما يفعلون كل يوم. خرجوا من بيوتهم مثل أي موظف، ربما ودعوا أبناءهم على عجل، وربما وعدوا أسرهم بالعودة بعد انتهاء النوبتجية. لكنهم عادوا محمولين على أكتاف زملائهم، بعد أن أدوا القسم حتى آخر نفس.

وهنا تتجلى المفارقة المؤلمة؛ فالمجتمع لا يتذكر رجال الحماية المدنية إلا عندما يقع حادث كبير. نتابع أخبارهم لساعات، ثم تمضي الأيام، بينما يستمرون هم في مواجهة الحرائق والانهيارات وحوادث المواد الخطرة، بصمت يليق بالرجال الذين اعتادوا أن يكون إنجازهم الحقيقي هو أن تمر الكارثة دون أن يعرف أحد حجم ما واجهوه.

إن رجال الحماية المدنية ليسوا مجرد رجال إطفاء. إنهم خط الدفاع الأول عن الحياة عندما تتحول الثواني إلى فارق بين النجاة والموت. إنهم يدخلون الأماكن التي يخشاها الجميع، ويحملون على أكتافهم مسؤولية إنقاذ بشر لا يعرفون أسماءهم، ولن يطلبوا منهم يومًا مقابلًا أو شكرًا.

ومن حق هؤلاء علينا ألا يكون تكريمهم موسميًا، ولا أن تظل بطولاتهم حبيسة بيانات النعي. فمن يحرس أرواح الناس، يستحق أن يحظى بأفضل تدريب، وأحدث معدات، وأعلى درجات الرعاية، وأن تظل أسر الشهداء في قلب اهتمام الدولة والمجتمع، لا باعتبار ذلك منحة، بل وفاءً لدين في أعناقنا جميعًا.

رحم الله شهداء الواجب الذين كتبوا أسماءهم بالنار والدخان، لا بالحبر. ورحم كل رجل خرج لإنقاذ الآخرين، فعاد ملفوفًا بعلم وطنه. سيبقى هؤلاء الشهداء شاهدًا على أن البطولة ليست كلمة تُقال، بل روح تُبذل في صمت، وأن الأوطان لا يحميها فقط من يقفون على حدودها، بل أيضًا من يقفون بين الناس والنار، وبين الحياة والموت.

سلامٌ على أرواحهم… وسلامٌ على كل رجل ما زال، في هذه اللحظة، يرتدي خوذته، ويستعد لبلاغ جديد، غير عابئ بما قد ينتظره خلف ألسنة اللهب، مؤمنًا بأن إنقاذ حياة إنسان واحد يستحق أن يُخاطر من أجله بكل شيء.

آخر الأخبار
اعلن معنا
الجمعة، ١٠ يوليو ٢٠٢٦ - ٢٥ محرم ١٤٤٨ هـ - ١٢:١٨ القاهرة
Fahrenheit News

فهرنهايت نيوز – Fahrenheit News هو موقعك الإخباري الموثوق الذي يقدم لك أحدث الأخبار المحلية والدولية، التحليلات المتعمقة، والمستجدات في مجالات السياسة، الاقتصاد.

Film Story - منصة الأفلام القصيرة

اتصل بنا

العنوان 13 كورنيش المعادى - الدور الثانى - مكتب 205
الايميل info@fahrenheit-news.com
الهاتف
01120833888 01552018375
إشترك معنا بالنشرة الإخبارية
كن على اتصال معنا

الموقع الجغرافى :

© 2025 فهرنهايت نيوز - Fahrenheit News. جميع الحقوق محفوظة.